تخطٍّ إلى المحتوى
الكتاب

تفسير قوله تعالى ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ

الشرح المختصر

يُعلن قوله تعالى ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أن الله وحده هو المستحق لكل حمدٍ وثناء، فهو المحسن المتفضل على جميع خلقه، والمالك المدبر لكل موجود. والحمد هو الثناء على المحمود بصفاته الكاملة وأفعاله الجميلة، وهو أعمُّ من الشكر الذي لا يكون إلا جزاءً على نعمة. و﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ وصفٌ لله بأنه المربي المصلح لشؤون خلقه ومالكهم وسيدهم المتصرف فيهم. و﴿ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ اسمٌ لكل موجود سوى الله، يدخل فيه جميع الخلق من الملائكة والجن والإنس وغيرهم. فالآية تُقرر في مفتتح الكتاب أن الثناء المطلق والاستحقاق الكامل لله وحده، ربًّا ومالكًا لكل العوالم.

أقوال العلماء والمفسرين

«الحمد: رأس الشكر، فما شكر الله عبد لا يحمده»
— همام الصنعاني (ت 211 هـ)، «تفسير عبد الرزاق الصنعاني» (ت 211 هـ) رواه عن: قتادة الحمد رأس الشكر
«معنى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ}: الشكر خالصاً لله جل ثناؤه دون سائر ما يُعْبَد من دونه»
— الطبري (ت 310 هـ)، «جامع البيان في تفسير القرآن» (ت 310 هـ) معنى الحمد
«الحمدُ والشكر نظيران؛ إلا أن الحمدَ أعمُّ من حيث إن فيه معنى المدح»
— للإمام الطبراني (ت 360 هـ)، «التفسير الكبير» (ت 360 هـ) الفرق بين الحمد والشكر
«العالَمُ: جمعٌ لا واحدَ له من لفظهِ»
— للإمام الطبراني (ت 360 هـ)، «التفسير الكبير» (ت 360 هـ) اشتقاق العالمين
«الحمد لله فهو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله»
— الماوردي (ت 450 هـ)، «النكت والعيون» (ت 450 هـ) تعريف الحمد
«الحمدُ لله هو الثَّناء لله، والشُّكرُ له بإنعامه»
— الواحدي (ت 468 هـ)، «الوجيز» (ت 468 هـ) الحمد والشكر
«والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر»
— البغوي (ت 516 هـ)، «معالم التنزيل» (ت 516 هـ) الحمد أعم من الشكر
«الرب: المالك كرب الدار أو السيد»
— ابن عبد السلام (ت 660 هـ)، «تفسير القرآن» (ت 660 هـ) معنى الرب
«والعالمين جمع عالم لا واحد له من لفظه، وهو اسم لكل موجود سوى الله تعالى»
— الخازن (ت 725 هـ)، «لباب التأويل في معاني التنزيل» (ت 725 هـ) معنى العالمين
«الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة»
— ابن جزي الغرناطي (ت 741 هـ)، «التسهيل لعلوم التنزيل» (ت 741 هـ) الحمد أعم من الشكر
«الحمدُ: الثناءُ على الجميل سواءً كان نعمةً مُسْداةً إلى أحدٍ أم لا»
— السمين الحلبي (ت 756 هـ)، «الدر المصون» (ت 756 هـ) تعريف الحمد
«القراء السبعة على ضم الدال في قوله: الحمد لله، هو مبتدأ وخبر»
— ابن كثير (ت 774 هـ)، «تفسير القرآن العظيم» (ت 774 هـ) قراءة ضم الدال
«الحمد يطلق على الصفات الجميلة والشكر على الأفعال الجزيلة»
— ابن عرفة (ت 803 هـ)، «التفسير» (ت 803 هـ) الحمد للصفات والشكر للأفعال
«الحَمْدُ: معناه الثناء الكاملُ، والألف واللام فيه لاِستغراقِ الجنس من المحامد»
— الثعالبي (ت 875 هـ)، «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» (ت 875 هـ) استغراق المحامد

الشرح الوافي

المعنى الإجمالي وتحليل المفردات

اختُلف في معنى ﴿ٱلۡحَمۡدُ﴾: فقيل هو بمعنى الشكر، وهو قول جمهور المفسرين؛ إذ الحمد ثناءٌ يُساق إلى المحمود لما له من أوصاف الكمال وأفعالٍ حسنة 2 4. وموضعُ النظر بين الحمد والشكر أن الحمد أوسعُ من جهة أنه يُذكر على الصفات الجميلة، أما الشكر فلا يقع إلا في مقابل نعمةٍ يُتفضَّل بها على الشاكر 5 12. وقيل إن الحمد يؤدَّى باللسان، أما الشكر فيُؤدى بالقلب واللسان والجوارح جميعًا 8. و﴿لِلَّه﴾ اللام فيه للاستحقاق، أي أن الله وحده هو المستحق للثناء المطلق دون سواه 7. وأما ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ فالرب في كلام العرب يُحمل على المالك والسيد والمصلح والمربي، ولا يُستعمل معرفًا بالألف واللام إلا في حق الله وحده لاختصاصه بذلك 6 14. و﴿ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ لفظٌ موضوعٌ لكل ما سوى الباري من المخلوقات على قول، ويُخصُّ تارةً بالمكلَّفين من الجن والإنس لأنهم أصحاب الخطاب 7 14. وفي اقتران الحمد بالربوبية إشارةٌ إلى أن الموصوفَ بكمال الصفات هو بعينه المربي لخلقه المتصرفُ في أمرهم، فتستوجب ربوبيتُه وإنعامُه أن يُثنى عليه ويُشكر 3. وافتتاحُ القرآن بالحمد يُعلِّم العباد أن يبدؤوا كلامهم وعبادتهم بثناءٍ على الله قبل كل أمر، فكان ذلك سنّةً حسنةً في الفاتحة، إذ هو أليقُ بالنعم وأجزلُ في العواقب 2.

اللغة والصرف والإعراب

رُفع ﴿ٱلۡحَمۡدُ﴾ بالابتداء، و﴿لِلَّه﴾ خبره، أو على تقديم وتأخير أي لله الحمد 10. وقرأ الجمهور بضم الدال، ورُوي عن بعضهم النصبُ على إضمار فعل تقديره أحمد الله، وعن آخرين كسرها إتباعًا 3 10. واللام في ﴿لِلَّه﴾ للاستحقاق كقولك الدار لزيد أي المستحق لها 7.

اللمسات البلاغية

تضمن قوله ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ من البلاغة أن جيء بأداة الاستغراق في «الحمد» لتدل على استيعاب جميع أقسام المحامد لله وحده 8. وفي تقديم المجرور ﴿لِلَّه﴾ — على قراءة من قدّمه — فائدة الحصر، أي لا يستحق الحمدَ المطلقَ إلا هو سبحانه 13.

القراءات

اختلف القرّاء في لفظ ﴿ٱلۡحَمۡدُ﴾: فالجمهور على ضم الدال على الابتداء، وروي عن رؤبة بن العجاج وهارون الأعور النصبُ على إضمار فعل تقديره أحمد الله، وعن الحسن البصري وابن أبي عبلة الكسرُ والضمُّ إتباعًا لحركة ما بعده 10 3.

الأحكام والاستنباطات الفقهية

تدل الآية على استحقاق الله للحمد المطلق، وأن ابتداء الكلام ينبغي أن يكون بالحمد 2. وفي الحديث أن الله يرضى عن العبد إذا حمد الله على النعمة، وأن الحمدَ أفضل من النعمة نفسها لأنه من الباقيات الصالحات 15. ولهذا ورد في الحديث أن من قال «الحمد لله» بعد النعمة زاده الله من فضله، فكان الحمد مفتاحًا للمزيد من الخير والبركة 15.

فوائد ولطائف

  • الحمد أعمُّ من الشكر لأنه يقع على الصفات والأفعال، والشكر لا يكون إلا جزاءَ نعمة. 12
  • في «أل» الاستغراقية في الحمد تنبيه على أن كل أقسام المحامد مستحقة لله وحده. 8
  • الرب لا يُطلق معرفًا بالألف واللام إلا على الله، تأدبًا باختصاص الربوبية به. 14
  • العالمون اسمٌ لكل موجود سوى الله، ويُغلب فيه العقلاء. 7
  • افتتاحُ القرآن بالحمد تعليمٌ للمؤمنين أن يبدؤوا أمورَهم بثناءٍ على الله. 2

أسئلة شائعة

ما الفرق بين الحمد والشكر؟

الحمد ثناء على المحمود بصفاته وأفعاله، والشكر لا يكون إلا في مقابلة نعمة، فالحمد أعمُّ من الشكر؛ وقيل الحمد باللسان والشكر بالقلب والجوارح. 12 5

من هم «العالمون»؟

هم كل موجود سوى الله تعالى، يدخل فيهم جميع الخلق، وقيل هم الجن والإنس لأنهم المكلفون بالخطاب. 7

ما معنى «رب العالمين»؟

الرب هو المالك والسيد والمصلح والمربي، ولا يُطلق معرفًا بالألف واللام إلا على الله وحده، والعالمون هم جميع المخلوقات سواه. 6 14

المراجع

  1. 1. تفسير عبد الرزاق الصنعاني — همام الصنعاني (ت 211 هـ) (ت 211 هـ)
  2. 2. جامع البيان في تفسير القرآن — الطبري (ت 310 هـ) (ت 310 هـ)
  3. 3. تفسير القرآن العظيم — ابن كثير (ت 774 هـ) (ت 774 هـ)
  4. 4. النكت والعيون — الماوردي (ت 450 هـ) (ت 450 هـ)
  5. 5. معالم التنزيل — البغوي (ت 516 هـ) (ت 516 هـ)
  6. 6. تفسير القرآن — ابن عبد السلام (ت 660 هـ) (ت 660 هـ)
  7. 7. لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن (ت 725 هـ) (ت 725 هـ)
  8. 8. الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي (ت 875 هـ) (ت 875 هـ)
  9. 9. الوجيز — الواحدي (ت 468 هـ) (ت 468 هـ)
  10. 10. الكشف والبيان — الثعلبي (ت 427 هـ) (ت 427 هـ)
  11. 11. الدر المصون — السمين الحلبي (ت 756 هـ) (ت 756 هـ)
  12. 12. التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جزي الغرناطي (ت 741 هـ) (ت 741 هـ)
  13. 13. النهر الماد — الأندلسي (ت 754 هـ) (ت 754 هـ)
  14. 14. التفسير الكبير — للإمام الطبراني (ت 360 هـ) (ت 360 هـ)
  15. 15. الجامع لاحكام القرآن — القرطبي (ت 671 هـ) (ت 671 هـ)
  16. 16. التفسير — ابن عرفة (ت 803 هـ) (ت 803 هـ)

آيات ذات صلة

آيات الفاتحة:
1 2 3 4 5 6 7
↣ كيف نُلخّص أقوال العلماء والشرح؟ (منهجيتنا في التفسير)