تخطٍّ إلى المحتوى
الكتاب

تفسير قوله تعالى ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾

ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ

الشرح المختصر

بعد أن أقرَّ العبدُ بالعبادة والاستعانة، سأل ربَّه أعظمَ حاجاته فقال ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾، أي أرشدنا إلى الطريق الواضح المستقيم، وثبِّتنا عليه ولا تُزلَّ أقدامنا عنه. والصراط المستقيم قيل إنه الإسلام، وقيل القرآن، وقيل طريق الجنة، وكلُّها يَرجع إلى طريق الحقِّ الذي ارتضاه الله لعباده. وقد يُسأل: كيف يَطلب المؤمنُ الهداية وهو مهتدٍ؟ والجواب أن المعنى ثَبِّتنا على ما نحن عليه وزِدنا هدايةً، فإن هدايات الله لا تَنتهي، والقلوب يُقلِّبها كيف يشاء. وفي هذا الدعاء تعليمٌ للعبد أن لا يَعتمد على نفسه في الثبات، بل يَلجأ إلى الله في كل وقت أن يُثبته على الحقِّ حتى يَلقاه.

أقوال العلماء والمفسرين

«أي أرشِدنا الطريقَ القائمَ الذي ترضاهُ؛ وهو الإسلامُ»
— للإمام الطبراني (ت 360 هـ)، «التفسير الكبير» (ت 360 هـ) الصراط هو الإسلام
«وَقِيْلَ: معناه: ثَبتْنَا على الطَّريقِ المستقيمِ»
— للإمام الطبراني (ت 360 هـ)، «التفسير الكبير» (ت 360 هـ) معنى اهدنا ثبتنا
«الطريق الواضح المستوي»
— الثعلبي (ت 427 هـ)، «الكشف والبيان» (ت 427 هـ) معنى الصراط
«معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا. والثاني: معناه وفقنا، وهذا قول ابن عباس»
— الماوردي (ت 450 هـ)، «النكت والعيون» (ت 450 هـ) رواه عن: ابن عباس معاني اهدنا
«دُلَّنا عليه، واسلكْ بنا فيه، وثبِّتنا عليه»
— الواحدي (ت 468 هـ)، «الوجيز» (ت 468 هـ) دلنا وثبتنا
«اهدنا أرشدنا وقال علي وأبي بن كعب: ثبتنا كما يقال للقائم قم حتى أعود إليك أي دم على ما أنت عليه»
— البغوي (ت 516 هـ)، «معالم التنزيل» (ت 516 هـ) رواه عن: علي وأبي بن كعب اهدنا أرشدنا وثبتنا
«أحدها: أنه كتاب الله، رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم»
— ابن الجوزي (ت 597 هـ)، «زاد المسير في علم التفسير» (ت 597 هـ) الصراط كتاب الله
«الصِّرَاطَ السبيل المستقيم أو الطريق الواضح، مأخوذ من مسرط الطعام وهو ممره في الحلق»
— ابن عبد السلام (ت 660 هـ)، «تفسير القرآن» (ت 660 هـ) اشتقاق الصراط
«هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره»
— القرطبي (ت 671 هـ)، «الجامع لاحكام القرآن» (ت 671 هـ) رواه عن: محمد بن الحنفية الصراط دين الله
«قال ابن عباس: هو دين الإسلام، وقيل هو القرآن وروى ذلك مرفوعاً»
— الخازن (ت 725 هـ)، «لباب التأويل في معاني التنزيل» (ت 725 هـ) رواه عن: ابن عباس الصراط الإسلام أو القرآن

الشرح الوافي

المعنى الإجمالي وتحليل المفردات

اختلف المفسرون في معنى ﴿ٱهۡدِنَا﴾ على أقوال: فقيل معناه أرشدنا ودُلَّنا، وقيل ثَبِّتنا ووفِّقنا، وقيل ألهِمنا، وكلها متقاربةٌ في طلب التوفيق وإصابة الحقِّ 2 5. وقد استُشكل طلبُ الهداية من المؤمن مع كونه مهتديًا، فأُجيب بأن المراد ثَباتُه على ما هو عليه وزيادته من الهداية، فإن ما يفتح الله به من الهدايات لا نهاية له ولا انقطاع، وأن العبد مُحتاجٌ في كل لحظة إلى أن يُثبته ربُّه على الحقِّ 4 6. وأما ﴿ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ فهو في اللغة الطريقُ الواضح المستوي الذي لا اعوجاج فيه 9 8. واختلفوا في تعيين هذا الصراط على أقوال، أظهرها أنه دينُ الإسلام الذي ارتضاه الله ولا يَقبل من العباد غيره 1 7. وقيل إنه القرآن العظيم، وقيل طريقُ الجنة، وقيل رسولُ الله ﷺ وطريقُ السُّنَّة والجماعة، وكلُّ هذه الأقوال يَشدُّ بعضها بعضًا ويرجع إلى طاعة الله واتباع الحقِّ 5 8. وفي ختم الفاتحة بهذا الدعاء بُعدٌ بليغ، إذ يَنتقل العبد من الثناء على ربه إلى سؤال أعظم حوائجه، فجُعل ختامُ فاتحة الكتاب دعاءً بالهداية التي هي أصلُ كل خيرٍ وأساسُ كل فلاح 7.

اللغة والصرف والإعراب

﴿ٱلصِّرَٰطَ﴾ مأخوذٌ من الاستراط وهو الابتلاع، شُبِّه الطريقُ بما يَبتلع المارَّة لكثرة سلوكهم فيه 5 8. وفي اللفظ لغاتٌ: السين وهي الأصل، والصاد وهي قراءة الجمهور لموافقة المصحف وخفَّتها على اللسان، والزاي وهي لغةٌ لبعض العرب، والإشمام بينهما 1 4. والخطاب في ﴿ٱهۡدِنَا﴾ جاء بصيغة الجمع لينتظم به القارئُ ومن خلفه في الدعاء جميعًا، وفيه أدبٌ للمؤمنين وحثٌّ على الاجتماع على الحق. 4

اللمسات البلاغية

في ختم السورة بسؤال الهداية بعد الثناء والعبادة حسنٌ بليغ، إذ بُنيت الفاتحة على نصفين: نصفٌ لمجامع الثناء، ونصفٌ لمجامع الحاجات، فخُتمت بأعظمها وهو طلبُ الهداية 7. وفي تقديم لفظ الصراط على وصفه بالاستقامة تنبيهٌ على أن الطرق قد تتعدد وأن المستقيمَ منها واحدٌ، وهو ما ارتضاه الله ووافق شرعه. 1

القراءات

قُرئ ﴿ٱلصِّرَٰطَ﴾ بالسين على الأصل، وبالصاد وهي قراءة الجمهور لموافقة المصحف، وبالزاي الخالصة قرأ بها حمزة وهي لغة لعذرة وكلب، وبإشمام الصاد زايًّا قرأ بها خلف 1 5.

الأحكام والاستنباطات الفقهية

تدل الآية على وجوب سؤال الله الهدايةَ والثباتَ على الحق، وأن العبد مُفتقرٌ إلى تثبيت ربه في كل حال فلا يَأمنُ الزيغَ على نفسه 4. وفيها أن دين الإسلام هو الصراط المستقيم الذي لا يَقبل الله من العباد سواه 7. وفي هذا الدعاء تعليمٌ للعبد أن يجعلَ الهداية غايةَ سؤاله ومَطلبه الأعظم، فإنها مفتاحُ كل خيرٍ وأساسُ النجاة في الدارين. 6

فوائد ولطائف

  • طلبُ الهداية من المؤمن معناه طلبُ التثبيت والزيادة، لا طلبُ الهدى أولَ مرة. 4
  • الصراطُ المستقيم هو دينُ الإسلام وطاعةُ الله واتباعُ رسوله. 1
  • القلوبُ تَحتاج في كل لحظة إلى تثبيت الله لها على الحقِّ فلا تأمن الزيغ. 6
  • ختمُ الفاتحة بالدعاء بالهداية من أبدع ترتيب السورة وأحسنه. 10
  • تنوُّعُ أقوال السلف في الصراط يدلُّ على سعة معناه وشموله لكل طريقٍ يُؤدي إلى مرضاة الله. 8

أسئلة شائعة

ما هو الصراط المستقيم؟

هو الطريق الواضح المستقيم، وأظهر الأقوال أنه دين الإسلام الذي ارتضاه الله، وقيل القرآن، وقيل طريق الجنة، وكلها يرجع إلى طاعة الله. 1 5

لماذا يطلب المؤمن الهداية وهو مهتدٍ؟

المعنى ثبِّتنا على ما نحن عليه وزِدنا هداية، فإن هدايات الله لا تنتهي، والعبد محتاج في كل حين إلى تثبيت ربه. 4 6

ما معنى «اهدنا»؟

أرشدنا ودلَّنا، أو وفِّقنا وثبِّتنا، أو ألهِمنا الطريق، وكلها طلبٌ للتوفيق وإصابة الحق. 2

المراجع

  1. 1. التفسير الكبير — للإمام الطبراني (ت 360 هـ) (ت 360 هـ)
  2. 2. النكت والعيون — الماوردي (ت 450 هـ) (ت 450 هـ)
  3. 3. الوجيز — الواحدي (ت 468 هـ) (ت 468 هـ)
  4. 4. معالم التنزيل — البغوي (ت 516 هـ) (ت 516 هـ)
  5. 5. زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي (ت 597 هـ) (ت 597 هـ)
  6. 6. لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن (ت 725 هـ) (ت 725 هـ)
  7. 7. الجامع لاحكام القرآن — القرطبي (ت 671 هـ) (ت 671 هـ)
  8. 8. تفسير القرآن — ابن عبد السلام (ت 660 هـ) (ت 660 هـ)
  9. 9. الكشف والبيان — الثعلبي (ت 427 هـ) (ت 427 هـ)
  10. 10. التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جزي الغرناطي (ت 741 هـ) (ت 741 هـ)

آيات ذات صلة

آيات الفاتحة:
1 2 3 4 5 6 7
↣ كيف نُلخّص أقوال العلماء والشرح؟ (منهجيتنا في التفسير)