تفسير قوله تعالى ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾
مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ
الشرح المختصر
يصف الله نفسه بأنه ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾، أي المالك المتصرف يومَ الجزاء والحساب، وهو يوم القيامة. وفي تخصيص المُلك بذلك اليوم تنبيهٌ على أن المُلك يومئذٍ لله وحده، إذ يَزول كلُّ مُلكٍ سواه فلا يَملك أحدٌ هناك أمرًا ولا نُفوذًا إلا الله. والدين في الآية بمعنى الجزاء الذي يُجازى به العبادُ على أعمالهم خيرِها وشرِّها. واختلف القرّاء في لفظها فقرأ بعضهم «مالك» بالألف وبعضهم «ملك» بغير ألف، وكلاهما واردٌ عن النبي ﷺ وصحابته، وكلٌّ منهما يَدُل على تمام المُلك لله في ذلك اليوم العظيم.
أقوال العلماء والمفسرين
«يوم يدين الله العباد بأعمالهم»
«لأن اللهَ تعالى لا ينازعهُ أحدٌ في مُلكِهِ ذلك اليومِ»
«مَلِكِ أمدحُ من مَالِكِ لأن الْمَالِكَ قد يكون غيرَ مَلِكٍ ولا يكون الْمَلِكُ إلا مَالِكاً»
«فيما اشتقا جميعاً منه وجهان: أحدهما: أن اشتقاقهما من الشدة، من قولهم ملكت العجين»
«قاضي يوم الجزاء والحساب؛ لأنَّه متفرِّدٌ في ذلك اليوم بالحكم»
«قال مجاهد: الدين الحساب»
«وقال قتادة: الدين الجزاء»
«وهو أظهر في المدح، لأن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكاً»
«فالمالك من اختص ملكه، والملك من عمَّ ملكه»
«مَلِك أعمّ وأبلغ من مالك إذ كل مَلِك مالك، وليس كل مالك مَلِكا»
«لأن ملك الأملاك يومئذ زائل فلا ملك ولا أمر يومئذ إلا لله تعالى»
الشرح الوافي
المعنى الإجمالي وتحليل المفردات
يُخبر الله تعالى أنه ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾، أي أنه المتصرفُ وحده في يوم الجزاء، يقضي بين عباده ويُحاسبهم على أعمالهم 3. والدين هاهنا يُراد به الجزاء كما قال بعض المفسرين، وقيل هو الحساب الذي يُحاسَب به الخلق 4 7. وقد سُئل عن وجه تخصيص المُلك بيوم الدين مع أن الله مالكُ كل الأيام، فأُجيب بأن مُلك غيره من الملوك والأمراء يَزول ذلك اليوم فلا يبقى مُلكٌ ولا أمرٌ ولا نُفوذٌ لأحدٍ سوى الله، فاختص بالذكر لانفراده به 2 7. وفي هذا تعليمٌ للعبد أن يَستحضر يومَ الجزاء الذي لا يَملك فيه أحدٌ شفاعةً ولا نُصرةً إلا بإذن ربه، فيُعِدُّ له العملَ الصالح قبل فوات الأوان . وفي الآية إثباتٌ لانفراد الله بالحُكم والتدبير في ذلك اليوم المهوب، إذ يَتعلَّق به أمرُ المعاد والحشر كما هو مقتضى تخصيص المُلك به ذلك اليوم 10. ويُقال إن الله لما ذكر مُلكه للدنيا بقوله ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أتبعه بذكر مُلك الآخرة هاهنا ليجمع بين الأمرين 6، وقيل إنما خصَّ يوم الدين بالذكر لأنه يَنفرد سبحانه يومئذٍ بالحُكم بين خلقه دون منازعٍ ولا مُدافع 5.
اللغة والصرف والإعراب
اختُلف في قراءة ﴿مَٰلِكِ﴾: فقرأ عاصم والكسائي «مالك» بالألف، وقرأ الباقون «ملك» بغير ألف، وفي اللفظ لغاتٌ منها مَلْك ومَليك 5 8. وقد اشتُق اللفظان من الشدة أو من القدرة، وقيل إن اشتقاقهما من قولهم ملكتُ العجين إذا عجنته بشدة 9 6.
اللمسات البلاغية
في تخصيص المُلك بيوم الدين بعد العموم في ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ تنبيهٌ بليغٌ على هول ذلك اليوم وانفراد الله بالتصرف فيه، بعد أن كان الناسُ في الدنيا يتنازعون المُلك والسلطان بينهم 2. وكما جمع في صدر السورة بين الرحمة والمهابة، جمع هنا بين الرجاء في الفضل والخوف من الجزاء، فلا يطمَنُّ العبدُ ولا يَيأس 8.
القراءات
قُرئت الآية بأوجه متعددة، منها «مالك» بالألف وهي قراءة عاصم والكسائي وخلف ويعقوب، و«ملك» بغير ألف وهي قراءة الجمهور، وروي عن أبي هريرة «ملْك» بإسكان اللام، وعن أُبيِّ بن كعب «مليك» بياء، وكلها تَرجع إلى إثبات المُلك لله ذلك اليوم 5 2.
الأحكام والاستنباطات الفقهية
تدل الآية على وجوب استحضار يوم الجزاء والاستعداد له بالعمل الصالح، إذ لا يَملك أحدٌ هناك نفعًا لنفسه ولا لغيره إلا بإذن الله 7. وفي اختلاف القراءتين «مالك» و«ملك» دلالةٌ على سَعة مُلك الله وأنه الجامعُ لمعنى المُلك والمِلك معًا 6. ولهذا كان استحضارُ هذا اليوم من أعظم البواعث على العمل الصالح وترك المعصية، إذ يَعلم العبد أن له ربًّا يُحاسبه على الصغير والكبير 7.
فوائد ولطائف
- تخصيصُ المُلك بيوم الدين دليلٌ على انفراد الله بالحُكم والتدبير يومئذٍ. 7
- الدينُ بمعنى الجزاء يَشمَل ثوابَ الطاعة وعقوبةَ المعصية. 4
- زوالُ مُلك الخلائق يوم القيامة يُوجب الإخلاصَ لله وحده في الدنيا والآخرة. 2
- اختلافُ القراءتين «مالك» و«ملك» يُثبت كمالَ المُلك لله بصفتيه. 9
- تذكيرُ العبد بيوم الجزاء يُهذِّب سلوكَه ويُبعده عن الظلم والغفلة. 2
أسئلة شائعة
ما معنى «مالك يوم الدين»؟
أي أن الله هو المتصرفُ وحده في يوم الجزاء والحساب يقضي بين عباده، والدين بمعنى الجزاء على الأعمال خيرها وشرها. 4
المراجع
- 1. تفسير عبد الرزاق الصنعاني — همام الصنعاني (ت 211 هـ) (ت 211 هـ)
- 2. التفسير الكبير — للإمام الطبراني (ت 360 هـ) (ت 360 هـ)
- 3. الوجيز — الواحدي (ت 468 هـ) (ت 468 هـ)
- 4. معالم التنزيل — البغوي (ت 516 هـ) (ت 516 هـ)
- 5. زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي (ت 597 هـ) (ت 597 هـ)
- 6. تفسير القرآن — ابن عبد السلام (ت 660 هـ) (ت 660 هـ)
- 7. لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن (ت 725 هـ) (ت 725 هـ)
- 8. الجامع لاحكام القرآن — القرطبي (ت 671 هـ) (ت 671 هـ)
- 9. النكت والعيون — الماوردي (ت 450 هـ) (ت 450 هـ)
- 10. مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير — الرازي (ت 606 هـ) (ت 606 هـ)