تخطٍّ إلى المحتوى
الكتاب

تفسير قوله تعالى ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾

ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الشرح المختصر

يصف الله نفسه في الآية الثالثة من الفاتحة بـ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾، وهما اسمان مشتقان من الرحمة يدلان على سعة رحمته وعمومها لخلقه. فالرحمن ذو الرحمة الواسعة العامة التي يُنزلها على جميع الخلق في الدنيا، ولا يُطلق هذا الاسم في الكلام على غير الله، أما الرحيم فوصفٌ لرحمته الخاصة بأهل طاعته والإيمان. وفي إيراد هذين الوصفين عقبَ ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ حكمةٌ بليغة: إذ إن وصف الربوبية يُوجب المهابة والخشية، فأتبعه الله بوصف الرحمة ليُجمع في قلب العبد بين الخوف منه والرجاء له. وتكرار ذكر الرحمة في البسملة وهنا يدل على عظم شأنها وكثرة الحاجة إليها.

أقوال العلماء والمفسرين

«الرَّحمن الرَّحيم: صفتان لله تعالى معناهما: ذو الرَّحمة، [أَي: الرَّحمة لازمةٌ له]»
— الواحدي (ت 468 هـ)، «الوجيز» (ت 468 هـ) معنى الرحمن الرحيم
«قرأ أبو العالية، وابن السميفع، وعيسى بن عمر بالنصب فيهما، وقرأ أبو رزين العقيلي، والربيع بن خيثم، وأبو عمران الجوني بالرفع فيهما»
— ابن الجوزي (ت 597 هـ)، «زاد المسير في علم التفسير» (ت 597 هـ) قراءات الرحمن الرحيم
«الرحمة عبارة عن التخليص من أنواع الآفات، وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات»
— الرازي (ت 606 هـ)، «مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير» (ت 606 هـ) معنى الرحمة
«لما كان في ٱتصافه بـ {رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} ترهيبٌ قَرَنه بـ {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، لما تضمن من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه»
— القرطبي (ت 671 هـ)، «الجامع لاحكام القرآن» (ت 671 هـ) قرن الترغيب بالترهيب
«الرحمن هو المنعم بما لا يتصور صدور تلك النعمة من العباد، والرحيم هو المنعم بما يتصور صدور تلك النعمة من العباد»
— الخازن (ت 725 هـ)، «لباب التأويل في معاني التنزيل» (ت 725 هـ) الفرق بين الرحمن والرحيم
«فلا يقال لغير الله رحمن، ويقال لغيره من العباد رحيم»
— الخازن (ت 725 هـ)، «لباب التأويل في معاني التنزيل» (ت 725 هـ) اختصاص اسم الرحمن بالله
«قدم أولا الوصف برَبّ العَالمِينَ تنبيها على أصل النشأة، وأنه هو الخالق المبدئ، ثم ثنى بحال الإنسان في الدّنيا من النعم والإحسان، فلولا رحمة الله تعالى لما كان ذلك»
— ابن عرفة (ت 803 هـ)، «التفسير» (ت 803 هـ) ترتيب الوصف بالربوبية والرحمة
«ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة اتبع ذلك بصفتي {الرحمن الرحيم } ترغبياً في لزوم حمده»
— البقاعي (ت 885 هـ)، «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» (ت 885 هـ) ربط الربوبية بالرحمة
«الرحمة في الأصل رقة في القلب، تقتضي التفضل والإحسان»
— تفسير الجلالين (ت1241هـ)، «حاشية الصاوي» (ت 1241 هـ) أصل الرحمة لغة
«لأنه لما كان في اتصافه بربّ العالمين ترهيب، قرنه بالرحمن الرحيم لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته، وأمنع»
— الشوكاني (ت 1250 هـ)، «فتح القدير» (ت 1250 هـ) الجمع بين الرهبة والرغبة
«الرَّحْمَٰن المنعم بالنعم العظيمة، أو مريد الإنعام به»
— اطفيش (ت 1332 هـ)، «تيسير التفسير» (ت 1332 هـ) معنى الرحمن
«إيرادهما عقد وصف الربوبية من باب قرن الترغيب بالترهيب الذي هو أسلوب التنزيل الحكيم»
— محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ)، «محاسن التأويل» (ت 1332 هـ) أسلوب قرن الترغيب بالترهيب
«هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة، في آية مستقلة، لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة»
— سيد قطب (ت 1387 هـ)، «في ظلال القرآن» (ت 1387 هـ) تكرار الرحمة في صلب السورة

الشرح الوافي

المعنى الإجمالي وتحليل المفردات

يُخبر الله تعالى عن نفسه بـ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾، وهما وصفان مأخوذان من الرحمة، يَدُلان على إحاطة رحمته بخلقه وسعتها 3 4. وقد فَرَّق المفسرون بينهما فقالوا إن الرحمن يَختص بالله وحده، لأن معناه المنعمَ بالنعم التي لا تَقدر العبادُ على مثلها، أما الرحيم فيجوز إطلاقه على غيره، إذ معناه المنعمَ بما يَتصور صدوره من بعض الخلق 1. وقال بعضهم إن الرحمن يدل على رحمته لأهل الدنيا عمومًا، والرحيم على رحمته لأهل الآخرة خاصة 7. والحكمة في إيراد هذين الوصفين بعدَ ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أن الوصفَ بالربوبية يُوجب الترهيبَ والمهابة، فأُتبع بالرحمة التي تُوجب الترغيبَ والرجاء، ليقوم في قلب المؤمن مقامُ الخوف ومقامُ الطمع في فضله جميعًا 2 8. وأما تكرار ذكرهما في البسملة ثم في صلب السورة فالقولُ فيه أنه تنبيهٌ على كثرة عناية الله بالرحمة، وأن الحاجة إليها أعظمُ من سائر الصفات، فنَبَّه بتكريرها على سعتها وأنه المتفضل بها وحده 1. ويُذكر أن وصف الربوبية إنما يستجمع صلاحَ الخلق بالرحمة، فلذلك عَقَّبه الله بهاتين الصفتين ترغيبًا في حمده والثناء عليه 9.

اللغة والصرف والإعراب

كلا الوصفين ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ مشتقان من مادة الرحمة على وزن المبالغة، والرحمن أبلغ لزيادة البناء 1. وهما نعتان أو بدلان من ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾، وقُرئا بالنصب على المدح وبالرفع على إسناد الصفة 5 15. وأصل الرحمة في كلام العرب رقةٌ تقتضي التفضل والإحسان، فتُحمل في حق الله تعالى على غايتها من إيصال النفع ودفع الضر عن عباده 11.

اللمسات البلاغية

في إيراد ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ عقبَ وصف الربوبية من البلاغة قرنُ الترغيب بالترهيب، وهو من أساليب التنزيل الحكيم في جمع الخوف والرجاء في النفس 12. وفي تكرير ذكر الرحمة تأكيدٌ على سَعتها وعمومها لكل الخلق 1. وفي تقديم ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ على ﴿ٱلرَّحِيمِ﴾ مع أن الأول أبلغُ في المبالغة تنبيهٌ على الاعتناء بعموم الرحمة وسعتها قبل خصوصها 7.

القراءات

قُرئ ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ بالخفض على النعت أو البدل وهي قراءة الجمهور، وروي عن أبي العالية وابن السميفع وعيسى بن عمر النصبُ فيهما، وعن أبي رزين العقيلي والربيع بن خيثم الرفعُ فيهما 5.

الأحكام والاستنباطات الفقهية

تدل الآية على سعة رحمة الله وأنها سببٌ لكل نعمة، فالنعم كلها أثرٌ من آثار رحمته 14. وقد جاء في الحديث أن المؤمن لو عَلِم مقدار عقوبة الله لَما طَمِع أحدٌ في دخول الجنة، وأن الكافر لو عَلِم مقدار رحمة الله لَما يَئس أحدٌ من رحمته، فاجتمع في المعرفة بالرحمة والعقوبة ما يُوجب بين الخوف والرجاء 2 13. وفي هذا أدبٌ للمؤمن أن يَغلِب على قلبه رجاءَ الرحمة مع خشية المقت والعقاب.

فوائد ولطائف

  • الرحمن اسمٌ مختصٌّ بالله لا يُطلق على سواه، بخلاف الرحيم. 1
  • قرنُ الترغيب بالترهيب من أساليب القرآن في تربية النفوس بين الخوف والرجاء. 2
  • تكرارُ ذكر الرحمة في الفاتحة تنبيهٌ على عظم شأنها وكثرة الحاجة إليها. 1
  • النعمُ كلها أثرٌ من آثار رحمة الله بخلقه. 14
  • جمعُ الآية بين الرحمن والرحيم يُربي في القلب تعظيمَ الله مع رجائه. 9

أسئلة شائعة

ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟

الرحمن ذو الرحمة الواسعة التي تَعمُّ جميع الخلق ولا يُطلق إلا على الله، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بأهل الإيمان والطاعة، ويجوز إطلاقه على غيره. 1 7

لماذا كُررت الرحمة في الفاتحة؟

للتنبيه على كثرة عناية الله بالرحمة وسعتها، وأن الحاجة إليها أعظم من سائر الصفات، فنبَّه بتكرارها على عظمها. 1

ما الحكمة من وصف الله بالرحمن الرحيم بعد «رب العالمين»؟

لأن وصف الربوبية يوجب الترهيب والمهابة، فأتبعه الله بصفة الرحمة لتوجب الترغيب والرجاء، فيجتمع في قلب العبد الخوف والطمع في الفضل. 2 8

المراجع

  1. 1. لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن (ت 725 هـ) (ت 725 هـ)
  2. 2. الجامع لاحكام القرآن — القرطبي (ت 671 هـ) (ت 671 هـ)
  3. 3. مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير — الرازي (ت 606 هـ) (ت 606 هـ)
  4. 4. الوجيز — الواحدي (ت 468 هـ) (ت 468 هـ)
  5. 5. زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي (ت 597 هـ) (ت 597 هـ)
  6. 6. التفسير — ابن عرفة (ت 803 هـ) (ت 803 هـ)
  7. 7. تيسير التفسير — اطفيش (ت 1332 هـ) (ت 1332 هـ)
  8. 8. فتح القدير — الشوكاني (ت 1250 هـ) (ت 1250 هـ)
  9. 9. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — البقاعي (ت 885 هـ) (ت 885 هـ)
  10. 10. في ظلال القرآن — سيد قطب (ت 1387 هـ) (ت 1387 هـ)
  11. 11. حاشية الصاوي — تفسير الجلالين (ت1241هـ) (ت 1241 هـ)
  12. 12. محاسن التأويل — محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) (ت 1332 هـ)
  13. 13. تفسير القرآن العظيم — ابن كثير (ت 774 هـ) (ت 774 هـ)
  14. 14. تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) (ت 1376 هـ)
  15. 15. الدر المصون — السمين الحلبي (ت 756 هـ) (ت 756 هـ)

آيات ذات صلة

آيات الفاتحة:
1 2 3 4 5 6 7
↣ كيف نُلخّص أقوال العلماء والشرح؟ (منهجيتنا في التفسير)