تخطٍّ إلى المحتوى
الكتاب

تفسير قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾

إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ

الشرح المختصر

بعد أن أثنى العبدُ على ربه في صدر السورة، انتقل إلى التوحيد الخالص فقال ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾. أي: نخصُّك وحدك بالعبادة فلا نعبد سواك، ونطلب منك وحدك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا. فالعبادة هي غاية الخضوع والتذلل، ولا تستحقُّ إلا لله وحده لإنعامه بأعظم النعم. وفي تقديم المفعول ﴿إِيَّاكَ﴾ على الفعل فائدة الحصر والاختصاص، إذ هو من شأن العرب أن تقدّم الأهمَّ فالأهم. وفي الجمع بين العبادة والاستعانة إقرارٌ من العبد بأنه لا قوة له ولا قدرة إلا بعون الله، فالأولى براءةٌ من الشرك، والثانية براءةٌ من الاعتماد على قوة العبد دون ربه، وإليهما يرجع الدين كله.

أقوال العلماء والمفسرين

«ذِكْرُ المعبودِ في هذه الآية أهمُّ من ذكرِ العبادة فقدَّمَهُ عليها»
— للإمام الطبراني (ت 360 هـ)، «التفسير الكبير» (ت 360 هـ) تقديم المعبود على العبادة
«العبادة الخضوع، ولا يستحقها إلا الله تعالى، لأنها أعلى مراتب الخضوع»
— الماوردي (ت 450 هـ)، «النكت والعيون» (ت 450 هـ) العبادة الخضوع
«نخصُّك ونقصدك بالعبادة، وهي الطَّاعة مع الخضوع»
— الواحدي (ت 468 هـ)، «الوجيز» (ت 468 هـ) معنى العبادة
«نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع»
— البغوي (ت 516 هـ)، «معالم التنزيل» (ت 516 هـ) العبادة توحيد وطاعة
«نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا»
— البغوي (ت 516 هـ)، «معالم التنزيل» (ت 516 هـ) معنى نستعين
«أنها بمعنى التوحيد. روي عن علي، وابن عباس في آخرين»
— ابن الجوزي (ت 597 هـ)، «زاد المسير في علم التفسير» (ت 597 هـ) رواه عن: علي وابن عباس العبادة التوحيد
«العبادة: أعلى مراتب الخضوع تقرباً، ولا يستحقها إلا الله»
— ابن عبد السلام (ت 660 هـ)، «تفسير القرآن» (ت 660 هـ) العبادة أعلى مراتب الخضوع
«قدّم ٱهتماماً، وشأن العرب تقديم الأهم»
— القرطبي (ت 671 هـ)، «الجامع لاحكام القرآن» (ت 671 هـ) تقديم الأهم
«إياك نخص بالعبادة ونوحدك ونطيعك خاضعين لك. والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل»
— الخازن (ت 725 هـ)، «لباب التأويل في معاني التنزيل» (ت 725 هـ) العبادة قصد وتوحيد
«وقدم المفعول، وهو إياك، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك»
— ابن كثير (ت 774 هـ)، «تفسير القرآن العظيم» (ت 774 هـ) الحصر والاهتمام
«نطق المؤمن به إِقرار بالربوبية، وتذلُّل وتحقيق لعبادة اللَّه»
— الثعالبي (ت 875 هـ)، «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» (ت 875 هـ) الإقرار بالربوبية

الشرح الوافي

المعنى الإجمالي وتحليل المفردات

انتقل الكلامُ في هذه الآية من الثناء على الله بالغيبة إلى مخاطبته بالعبادة، وهذا من الالتفات البليغ الذي يُستمال به القلب ويُستجلب به الإقبال 12 6. ومعنى ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ أن العبد يُخصُّ ربَّه بالعبادة فيوحّده ولا يَصرف شيئًا منها لسواه 3 8. والعبادة في أصل اللغة غايةُ الذلِّ والخضوع، ومنه سُمِّي الطريقُ المذلَّل معبَّدًا، وهي لا تَستحقُّ إلا لله لأنه المنعِمُ بأعظم النِّعَم كالحياة والعقل والسمع والبصر 5 4. وأما ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ فمعناه أن العبد يَطلب من ربِّه العونَ والتوفيق على أداء عبادته وعلى سائر أموره كلها 4 6. وفي تقديم ﴿إِيَّاكَ﴾ على الفعل فائدةٌ هي الحصر والاختصاص، لأن ذكرَ المعبود أهَمُّ من ذكر العبادة، وقد جرى أهلُ اللسان على تقديم الأهمِّ فالأهمِّ 1 10. وفي تقديم العبادة على الاستعانة — مع أن المعونة تَسبق الفعل عادةً — أوجهٌ، منها أن الاستعانة من جنس العبادة فذُكرت جملةُ العبادة أولًا ثم ما هو من تفاصيلها، وأن في إقرار العبد بالعجز بعد أداء العبادة أكملَ للتذلُّل وخلوص النية 4 14. ويُروى عن بعض السلف أن القسم الأول من هذه الكلمة براءةٌ من الشرك، وأن القسم الثاني براءةٌ من الاعتماد على قوة العبد دون ربه، وبهما يَستقيم أمرُ الدين كله 9.

اللغة والصرف والإعراب

﴿إِيَّاكَ﴾ ضميرٌ منفصل واجب الانفصال، لا يَستعمل إلا في موضع النصب، وأجازه بعضُ النحاة مضافًا إلى الاسم الظاهر في الشاذِّ من الكلام 11. وقُدِّم المفعول ﴿إِيَّاكَ﴾ على الفعل ﴿نَعۡبُدُ﴾ للقصر والاختصاص 11 13. والعبادة مشتقةٌ من أصل الذلِّ، يقال طريقٌ معبَّدٌ أي مذلَّل، وبعيرٌ معبَّد 9.

اللمسات البلاغية

في الآية التفاتٌ بديعٌ من أسلوب الغيبة إلى أسلوب الخطاب، وهو من محاسن البلاغة التي تُستجلب بها النفوس وتُستمال القلوب وتُستثار العواطف 12 6. وفي تكرار ﴿إِيَّاكَ﴾ في الموضعين تأكيدٌ للحصر، وتنبيهٌ على أن العبادة والاستعانة كليهما لله وحده دون سواه 9. وفي الانتقال من الثناء إلى الدعاء سرٌّ بليغ، فإن مدحَ الله وتمجيدَه تمهيدٌ لإجابة الدعاء، فكأن الثناءَ على الرب يُورث العبدَ ثقةً بإجابة مسألته وقَبولِ دعائه 8.

القراءات

قرأ الجمهور ﴿إِيَّاكَ﴾ بتشديد الياء، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها وهي قراءة شاذة، وقرئت كذلك بفتح الهمزة وبإبدالها هاء. وفي ﴿نَسۡتَعِينُ﴾ قرأ الجمهور بفتح النون، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب بكسرها وهي لغةٌ لبعض العرب 9.

الأحكام والاستنباطات الفقهية

تدل الآية على وجوب إخلاص العبادة لله وحده، وطلب المعونة منه على أداء الطاعة، فلا يجوز صرفُ شيءٍ من العبادة لغيره سبحانه 2. وفيها إقرارٌ من العبد بفعله وطلبِه المعونة من الله، وفي ذلك ردٌّ على أهل البدع في باب القَدَر والجبر 6. وتدل الآية كذلك على أن العبد مُفتقرٌ إلى ربه في كل حال، فلا غناءَ به عن معونته طرفةَ عين، لا في إقامة العبادة ولا في جلبِ النفع ودفعِ الضر .

فوائد ولطائف

  • تقديمُ ﴿إِيَّاكَ﴾ على الفعل يُفيد الحصرَ والاختصاص. 1
  • الجمعُ بين العبادة والاستعانة يَجمع أصلَ الدين كله. 9
  • العبادةُ غايةُ الخضوع ولا تَستحقُّ إلا لله وحده. 5
  • الالتفاتُ من الغيبة إلى الخطاب من محاسن بلاغة التنزيل. 12
  • تقديمُ العبادة على الاستعانة يُعلِّم العبدَ أن يقصدَ الله بعبادته قبل أن يطلبَ منه العون. 4

أسئلة شائعة

لماذا قُدِّم «إياك» على «نعبد»؟

للحصر والاختصاص وإفادة أن العبادة لله وحده، وشأن العرب تقديم الأهم، وذكر المعبود أهمُّ من ذكر العبادة. 1 6

ما معنى «إياك نعبد وإياك نستعين»؟

نخصُّك وحدك بالعبادة فلا نعبد سواك، ونطلب منك وحدك المعونة على عبادتك وسائر أمورنا. 3 4

لماذا قُدِّمت العبادة على الاستعانة؟

لأن الاستعانة من جنس العبادة فذُكرت جملتها أولًا ثم تفصيلها، وفي إقرار العبد بالعجز بعد العبادة أكملُ للتذلُّل وخلوص النية. 4

المراجع

  1. 1. التفسير الكبير — للإمام الطبراني (ت 360 هـ) (ت 360 هـ)
  2. 2. النكت والعيون — الماوردي (ت 450 هـ) (ت 450 هـ)
  3. 3. الوجيز — الواحدي (ت 468 هـ) (ت 468 هـ)
  4. 4. معالم التنزيل — البغوي (ت 516 هـ) (ت 516 هـ)
  5. 5. تفسير القرآن — ابن عبد السلام (ت 660 هـ) (ت 660 هـ)
  6. 6. الجامع لاحكام القرآن — القرطبي (ت 671 هـ) (ت 671 هـ)
  7. 7. زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي (ت 597 هـ) (ت 597 هـ)
  8. 8. لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن (ت 725 هـ) (ت 725 هـ)
  9. 9. تفسير القرآن العظيم — ابن كثير (ت 774 هـ) (ت 774 هـ)
  10. 10. الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي (ت 875 هـ) (ت 875 هـ)
  11. 11. الدر المصون — السمين الحلبي (ت 756 هـ) (ت 756 هـ)
  12. 12. إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — ابو السعود (ت 951 هـ) (ت 951 هـ)
  13. 13. النهر الماد — الأندلسي (ت 754 هـ) (ت 754 هـ)
  14. 14. التفسير — ابن عرفة (ت 803 هـ) (ت 803 هـ)

آيات ذات صلة

آيات الفاتحة:
1 2 3 4 5 6 7
↣ كيف نُلخّص أقوال العلماء والشرح؟ (منهجيتنا في التفسير)