تخطٍّ إلى المحتوى
الكتاب

تفسير قوله تعالى ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ

الشرح المختصر

يُبيِّن الله في ختام الفاتحة مَن هم أهلُ الصراط المستقيم ومَن خالفهم، فيقول ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ وهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، أو قومُ موسى وعيسى قبل أن يُغيِّروا نعمة الله. ثم يَستثني ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾، فالمغضوب عليهم هم اليهود الذين عرفوا الحقَّ ولم يَعملوا به فضَلَّ عليهم الغضب، والضالُّون هم النصارى الذين عمِلوا بغير علمٍ فضَلُّوا عن سواء السبيل. فجمعت الآية طريقَ النجاة وطريقَي الهلاك، تعليمًا للعبد أن يَلزم طريق المنعَم عليهم ويَحذر طريقَ المغضوب عليهم والضالِّين. ويُستحب للقارئ أن يقول بعد الفراغ منها «آمين»، ومعناها اللهم استجب.

أقوال العلماء والمفسرين

«وَقِيْلَ: معنى آمين: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ»
— للإمام الطبراني (ت 360 هـ)، «التفسير الكبير» (ت 360 هـ) معنى آمين
«طريق الذين أنعمت عليهم بالتوفيق والرعاية، والتوحيد والهداية، وهم الأنبياء والمؤمنون»
— الثعلبي (ت 427 هـ)، «الكشف والبيان» (ت 427 هـ) المنعم عليهم
«غير المغضوب عليهم، أَيْ: غير الذين غضبتَ عليهم، وهم اليهود، ومعنى الغضب من الله تعالى: إرادةُ العقوبة»
— الواحدي (ت 468 هـ)، «الوجيز» (ت 468 هـ) المغضوب عليهم اليهود
«ولا الضَّالين، أَيْ: ولا الذين ضلُّوا، وهم النَّصارى»
— الواحدي (ت 468 هـ)، «الوجيز» (ت 468 هـ) الضالون النصارى
«قال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن غيروا دينهم»
— البغوي (ت 516 هـ)، «معالم التنزيل» (ت 516 هـ) رواه عن: ابن عباس المنعم عليهم قوم موسى وعيسى
«فأما «المغضوب عليهم» فهم اليهود؛ و «الضالون»: النصارى. رواه عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم»
— ابن الجوزي (ت 597 هـ)، «زاد المسير في علم التفسير» (ت 597 هـ) رواه عن: عدي بن حاتم المغضوب اليهود والضالون النصارى
«الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: اليهود، والضالون، النصارى. اتفاقاً خُصت اليهود بالغضب لشدة عداوتها»
— ابن عبد السلام (ت 660 هـ)، «تفسير القرآن» (ت 660 هـ) تخصيص اليهود بالغضب
«صراط بدل من الأوّل بدل الشيء من الشيء؛ كقولك: جاءني زيد أبوك»
— القرطبي (ت 671 هـ)، «الجامع لاحكام القرآن» (ت 671 هـ) صراط بدل
«غير المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى»
— الخازن (ت 725 هـ)، «لباب التأويل في معاني التنزيل» (ت 725 هـ) المغضوب والضالون
«اليهودُ، والضالُّون: النصَارَىٰ؛ قاله ابن مسعود، وابن عَبَّاس، مجاهد، والسُّدِّيُّ، وابن زيد»
— الثعالبي (ت 875 هـ)، «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» (ت 875 هـ) رواه عن: ابن مسعود وابن عباس ومجاهد إجماع السلف على التفسير
«قسم أريد للشقاوة فعاند في إخلاله بالعمل فاستوجب الغضب، وقسم لم يرد للسعادة فضل من جهة إخلاله بالعلم فصار إلى العطب»
— البقاعي (ت 885 هـ)، «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» (ت 885 هـ) المغضوب فقدوا العمل والضالون فقدوا العلم

الشرح الوافي

المعنى الإجمالي وتحليل المفردات

﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ بدلٌ من الصراط المستقيم أو عطفُ بيان، أي طريق الذين أَنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق، وهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون 5 6. وقيل هم قومُ موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن يُبدِّلوا ويُغيِّروا دينهم، وقيل أصحابُ محمد ﷺ، وكلها تَرجع إلى من ثَبَّته الله على الإيمان ووفَّقه للعمل الصالح 7 2. ثم استثنى الله طريقَ الهالكين فقال ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ﴾، وهم في أشهر الأقوال اليهود الذين عرفوا الحقَّ ولم يَعملوا به فعاندوا فاستوجبوا الغضب 2 9. والغضبُ إذا أُضيف إلى الله يُراد به إرادةُ الانتقام والعقاب الذي يُبعدهم عن رحمته، لا كغضب المخلوق الذي يَلحقه لِعارضٍ يَزول 5 10. وأما ﴿وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ فهم النصارى في أشهر الأقوال، الذين عمِلوا على غير علمٍ ولم يُحكموا معرفة الحقِّ فضلُّوا عنه 2 9. وفي هذا التقسيم البديع جمعٌ لطريق النجاة وطريقَيِ الهلاك: طريق من عَرَف الحقَّ فلم يَتَّبعه فعاداه، وطريق من عمِل على غير بصيرة فضلَّ، تعليمًا للعبد أن يَجمع بين العلم النافع والعمل الصالح 8 9. وفي ختم السورة بذلك تنبيهٌ بليغ على أن الفلاح في العلم والعمل مجتمعَين لا في أحدهما منفردًا عن الآخر.

اللغة والصرف والإعراب

قرأ الجمهور «عليهم» بكسر الهاء، وقرأ حمزة بضمها، وفي اللفظ لغاتٌ متعددة حكاها أهل اللغة كلها صواب 3 8. و﴿صِرَٰطَ﴾ بدلٌ من ﴿ٱلصِّرَٰطَ﴾ الأول، بدلَ الشيء من الشيء، أو عطفُ بيان 8. وأصل الضلال في اللغة الغيبوبة والذهول عن الحقِّ، يقال ضلَّ الماءُ في اللبن إذا غاب فيه، فالضالُّ من غاب عنه الهدى ولم يهتدِ إليه. 5

اللمسات البلاغية

في الآية من البلاغة أنها قَسَّمت الناس أقسامًا ثلاثة: منعَمٍ عليهم بالهداية، ومغضوبٍ عليهم، وضالٍّ، فجمعت طريقَ النجاة وطريقَيِ الضلال في صيغةٍ وجيزةٍ بليغة 8. وفي الإتيان بالاستثناء ﴿غَيۡرِ﴾ بعد ذكر النعمة تنبيهٌ وتحريضٌ على استحضار مقام الخوف مع الرجاء 11. وفي الإتيان بلفظ الإنعام بصيغة الفعل والغضب بصيغة الاسم سرٌّ بلاغيٌّ ذكره أهل البيان، فيه تنبيهٌ على تجدد النِّعَم ودوامها، وعلى ثبوت الغضب واستقراره. 11

القراءات

قرأ الأكثرون «عليهم» بكسر الهاء، وقرأ حمزة بضم الهاء في عليهُم ولديهُم وإليهُم، وفي اللفظ لغاتٌ متعددة كلها مأثورةٌ عن العرب صحيحة 3 8.

الأحكام والاستنباطات الفقهية

تدل الآية على وجوب لزوم طريق المنعَم عليهم، والحذر من طريق المغضوب عليهم والضالِّين 2. ويُستحب للقارئ بعد الفراغ من الفاتحة أن يقول «آمين»، ومعناه اللهم استجب، وهي ليست من السورة بل سُنَّةٌ مأثورة عن النبي ﷺ 1. وفي ختم السورة ببيان الفريقين تحذيرٌ بليغٌ من الانحراف عن الحقِّ، إما بترك العمل بعد العلم، أو بترك العلم مع كثرة العمل. 9

فوائد ولطائف

  • اليهودُ عرفوا الحقَّ ولم يعملوا به فاستوجبوا الغضب، والنصارى عمِلوا بلا علمٍ فضلُّوا، فالنجاة في العلم والعمل معًا. 9
  • الغضبُ المضاف إلى الله يُراد به إرادةُ العقاب والانتقام لا ما يَعرض للمخلوق. 5
  • قَسمُ الناس في خاتمة الفاتحة إلى ثلاثة أقسام من أبدع الإيجاز وبيانٍ للطريق وضدها. 8
  • قولُ «آمين» بعد الفاتحة سُنَّةٌ مرويةٌ عن النبي ﷺ وليست من القرآن. 1
  • تنوُّعُ أقوال السلف في المراد بالمنعَم عليهم يدلُّ على شمول النعمة لكل من اهتدى وثبت. 6

أسئلة شائعة

من هم المغضوب عليهم والضالون؟

المغضوب عليهم هم اليهود في أشهر الأقوال لعلمهم بالحق وعدم اتباعهم له فعادوه، والضالون هم النصارى لعملهم بغير علم وبصيرة. 2 9

من هم الذين أنعم الله عليهم؟

هم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يبدلوا، وكلهم من ثبَّتهم الله على الإيمان. 5 7

ما معنى «آمين»؟

قيل معناها اللهم استجب، وهي ليست من السورة، ويُستحب للقارئ أن يقولها بعد الفراغ من الفاتحة. 1

المراجع

  1. 1. التفسير الكبير — للإمام الطبراني (ت 360 هـ) (ت 360 هـ)
  2. 2. الوجيز — الواحدي (ت 468 هـ) (ت 468 هـ)
  3. 3. زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي (ت 597 هـ) (ت 597 هـ)
  4. 4. تفسير القرآن — ابن عبد السلام (ت 660 هـ) (ت 660 هـ)
  5. 5. لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن (ت 725 هـ) (ت 725 هـ)
  6. 6. الكشف والبيان — الثعلبي (ت 427 هـ) (ت 427 هـ)
  7. 7. معالم التنزيل — البغوي (ت 516 هـ) (ت 516 هـ)
  8. 8. الجامع لاحكام القرآن — القرطبي (ت 671 هـ) (ت 671 هـ)
  9. 9. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — البقاعي (ت 885 هـ) (ت 885 هـ)
  10. 10. الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي (ت 875 هـ) (ت 875 هـ)
  11. 11. التفسير — ابن عرفة (ت 803 هـ) (ت 803 هـ)

آيات ذات صلة

آيات الفاتحة:
1 2 3 4 5 6 7
↣ كيف نُلخّص أقوال العلماء والشرح؟ (منهجيتنا في التفسير)